بهاء الدين الجندي اليمني
195
السلوك في طبقات العلماء والملوك
--> - ويذكر أبسط الأشياء ولم ينبس ببنت شفة عن دولة بني زياد ولا عن رفاقهم . ومنهم أبو حنيفة الدّينوري المتوفى سنة اثنتين وثمانين في كتابه الأخبار الطوال ، لم يحدثنا عن بني زياد لا من قريب ولا من بعيد . وتوّج هذا التراث محمد بن جرير الطبري المؤرخ والمفسر العظيم الثقة العدل المتوفى سنة 310 بكتابه « أخبار الأمم والملوك » الذي جمع فأوعى وعنه يصدر المؤرخون ويوردون منهله العذب فإنه يحدثنا مثلا في ج 7 ص 46 عن حوادث سنة 196 عن حادث ليس بالأمر الجلل الا وهو أن طاهر بن الحسين الخزاعي عقد على ولاية اليمن ليزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد اللّه القسري المذكور هنا والذي ذكره الجندي وضمن له أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك اليمن وأشرافهم ليخلعوا طاعة محمد الأمين ويبايعوا عبد اللّه المأمون ، إلى آخر ما ذكر ، كما يذكر في أحداث سنة 200 وما بعدها عن إبراهيم الجزار وابن ماهان والجلودي والصراع الواقع بين هؤلاء باليمن ، في حين أنه لم يذكر آل زياد ومن انضم إليه لا بحلوه ولا مره . والحال أن هذه الأحداث مقارنة لما زعمه عمارة رحمه اللّه عن آل زياد ويجيء المؤرخ الكبير علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة 346 ويدخل اليمن فيحدثنا في ج 1 ص 197 بقوله فمنها وادي نخلة وهو ما بين الجند وبلاد زبيد الذي أميرها في هذا الوقت وهو سنة 332 إبراهيم بن زياد صاحب الحزملي ولم يزد على ذلك ولا ذكر أوليات بني زياد . ويجمع أبو الحسن علي بن الكرم المشهور بابن الأثير المتوفى سنة 630 في أحشاء كتابه « الكامل » كل متفرقات التواريخ ويعرف عمارة عن كثب لأنهما متعاصران ويترجم لعمارة في ج 9 ص 134 ويتحدث عن ولاة اليمن وماجرياته ولم ينوه بآل زياد ، ناهيك أنه تحدث عن حسين بن سلامة وأثنى عليه وهو من موالي آل زياد . هذا من ناحية التواريخ العامة والتي لا تهتم باليمن كثيرا لبعده عن الأحداث . أما التواريخ الخاصة ، ونعني بذلك تواريخ اليمن لأهل اليمن التي سبقت عمارة ، فمن الأسف الشديد والألم الممض أن تواريخ اليمن المتقدمة ضائعة مفقودة ولم تصل إلى أيدينا إلا جذاذة كراريس مبعثرة من تاريخ ابن جرير الصنعاني ساقط منه حلقات وحلقات ، منها أوليات دولة آل زياد ، وأوليات دولة آل يعفر إلى غير ذلك مما ننوه به في غضون تعليقنا . ومما وقع تحت أيدينا سيرة الهادي يحيى بن الحسين العلوي مخطوطا ومطبوعا ، فإن مؤلفها يذكر أحداث سنة 292 في ص 289 وما بعدها عن إبراهيم بن محمد بن علي صاحب زبيد وأخيه محمد بن أحمد بن علي دون أن يرفع نسبهما إلى زياد أو إلى غيره . هذا ولعلك قد عرفت من سرد هذه الأدلة والبراهين أن عمارة رحمه اللّه نسج من الخيال هذه الرواية سواء أملاها من ذاكرته وهو في القاهرة المعزية أو من تاريخ جياش بن نجاح الحبشي كما يقول في ص 38 من مفيده . ونزيدك أيضا علما أن القطر التهامي في تلك الفترة بيد الملوك الشراحيين ملوك مدينة عركبة في وصاب . واسمع إلى كلام حجة المؤرخين لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني المتوفى فيما بين سنة 350 أو 360 ه يحدثنا في كتابه « صفة جزيرة العرب » ص 222 : وساكن عركبة الشراحيون منهم آل يوسف ملوك تهامة من عهد المعتصم إلى أيام المعتمد . وقال في « الإكليل » ج 2 ص 346 : والشراحيون الذين في وصاب آل يوسف ملوك زبيد وجبلان . قال الحوالي : وبين المعتصم والمعتمد قرابة ستين عاما . ومن أوضح الأدلة ما حكاه مؤرخ وصاب العلامة عبد الرحمن بن محمد الحبيشي الوصابي المذحجي في كتابه ( الاعتبار في التواريخ والأخبار ) فهو يحدثنا في الفصل الأول من القسم الثالث قال : قال الكلاعي في شرح القصيدة المفحمة : اعلم أن ملوك وصاب المتقدمين هم بنو سلمة الشراحيون ملوك مدينة عركبة ، من آل ذي حرث ثم من ولد ذي رعين : يريم بن سهل الجمهور وهم بنو عم الوصابيين ، -